الخميس، ١٢ أيلول ٢٠١٣

ظروف الحرب وسلوكيات الثوار


في جامعة دمشق كان مظهر الطلاب الأنيق ملفتاً للنظر ورائحة العطر مميزة دائماً ومتنوعة وكذلك أساليب تصفيف الشعر, كانت على ألسنة هؤلاء الطلاب دائماً كلمات طيبة عندما كنت يتقابلون عند الدرج أو وقت الدخول نحو المدرجات أو في الكفتريا وكانوا يلتزمون الصمت عند المكتبة ويحترمون قوانين الإعارة, وكانت كلمات الاعتذار الرقيقة عزبة على ألسنتهم في حال حصل اصطدام نتيجة الزحام أو حال التقدم من خلفك نحو الأمام بطريقة تدل على عجلة أمره, في المجمل كان التعامل المؤدب ظاهراً والسلوك المهذب لا يحتاج لدليل ومستوى الأخلاق العالية واحترام القوانين واضحاً.
في معسكري التدريب الجامعي اللذين حضرتهما في صيفين حارين في منطقة الضمير بريف دمشق وسط صحراء حارقة قرب مطار السين العسكري كنا نعيش وقتها في خيام صغيرة وكانت العقارب والأفاعي تتجول حولنا وتنام قربنا أحياناً وكنا نرتدي البذات العسكرية الصحراوية وقتها كان مفاجئاً للغاية ذلك السلوك العدواني للطلاب أثناء الاجتماعات الصباحية أو في حصص التدريب أو حتى في أوقات السمر ليلاً, كانوا يتزاحمون على تعبئة المياه بعدوانية يتقاتلون على شراء الحاجيات أو الاصطفاف وربما سمعت كلمات شتم وذم أثناء مرورك قرب أحد الطلاب المعاقبين, كان بعض الطلاب يسرق الطعام من المطعم أحياناً ويخرجه خفية وكان غيرهم يحاول أن يدفع للضباط المشرفين من أجل أن لا يخرج في تدريبات الرياضة!!.
يتفق علماء الاجتماع على أن سلوكيات مجتمع ما تتغير بحسب الظروف التي يعيشها ويمر بها, ويعيش المقاتلين اليوم ظروفاً صعبة للغاية تحت قصف الصواريخ والقذائف وأمام الدبابات ويحملون أسلحتهم الفردية كل يوم منطلقين نحو مقاتلة عدو تتسخ منه كلمات النعوت السيئة.
لقد تربى السورين في مجتمع ذو أخلاق عالية وعلى قيم طيبة وحميدة مستمدة من ثقافته الرائعة المستندة لعوامل الدين والعرف وطبيعة المكان والتاريخ الذي مر به, وما يراه البعض من المقاتلين اليوم من سوء خلق أو تصرفات غير محمودة ماهي إلا فقاعات تابعة لكثافة تدفق الرياح التي حملت الظروف الراهنة إلى المجتمع, إن الحرب والضيق المعيشي والصدمات التي نتعرض لها كبيرة بدون شك ولا تمثل حالة عامة ولا ظرفاً عاماً ولا حتى خاصاً أو عابراً بل هو استثنائي بكل ما تعنيه الكلمة من استثنائية وقد لا يمر على أي مجتمع بشري خلال خمسمائة عام, وإذا كان أحدنا يلاحظ تغير في سلوكه عندما يشعر بالجوع الشديد فماذا ينتظر من مجتمع جاع وتشرد وتعرض لمختلف أنواع العذاب والويلات!؟.
إن تسليط الضوء على الأخطاء وخاصة عند تخليصها من الظروف التي يمر بها المجتمع هو قمة الإجحاف من الناحية العلمية والمنطقية, وإن الأمثلة على أن الظروف الراهنة هي سبب في أغلبية الممارسات غير المقبولة كثيرة وأكبر من أن تحصى وبالتالي مجرد زوال هذه الظروف الاستثنائية (الحرب) فإن الممارسات ستزول بالنتيجة.
في جميع الأحوال انظروا إلى كل تلك الصور المشرقة من التضحيات التي يقوم بها هؤلاء الأبطال كل يوم وكونوا عوناً لثوار سورية على الخير والنصر القريب وتعاهدوهم بالنصيحة.
حمص المحاصرة, وليد فارس, 11-9-2013\