الجمعة، ٢٠ نيسان ٢٠١٢

رواية لشاهد عيان من منزل يطل على ساحة الساعة لما حصل في المجزرة ..يرويها لنا لأول مرة.

أهل حمص قبل الساعة 2 بالليل معظمن جربوا الاعتصام منن رجعوا ومنن ضلوا ... بس الكل رافع راسو وحاسس بشعور راااااائع
الساعة 2 بالليل بيبلش الضرب والقواص ... شي متل الكذب ... متل المطر ... ماوقف الضرب على مدى ساعتين ماوقف ولا لحظة ... بعد ساعتين بلش يخف بس ماوقف
صوت القواص وصل لمعظم أحياء حمص ...
اللي قاعدين بالبيوت معظمن نزلو ع الشوارع ... الشباب عم تنادي "لك وين النخوة ... وين النخوة ... ياحيييييييييييييييف ياحيييييييف لك عم يقتلون عم يقتلون .... الله ياخدك يا بشار .. الله لا يوفقك ياأسمااء ... ياللللله ... يارب ... لك اسمعوا اسمعوا الأصوات اسمعوا الضرب"
الرجال والنسوان والشباب نزلو ع الشوارع ... اللي عم يدعي واللي عم يوقف مع الشباب اللي عم يسكروا الشوارع واللي عم يتجه فورا نحو الساعة لحتى يلهي الأمن ويخفف عن المعتصمين.
الجوامع بلشت تكبر .. وتأدن .. وتنادي "ياأهل النخوة ياأهل حمص .. أخواتكن بالساعة عم يموتوا ... ياأهل النخوة ... الحقون .. "
بعد شوي بلشت تنادي الجوامع ... "ياأهل الكرم ... بدنا دم بدنا متبرعين ... ياأهل النخوة"
كل هالحكي اللي كان عم يصير كنت عم حاول قلب بالقنوات لشوف حدا جايب سيرة ...
المهم ع الساعة 2ونص 3 اتصل شاهد عيان على فرانس 24 انزكر الخبر باقل من 3 دقايق وخلص بس لاحس ولاخبر ... لك العالم عم تموت ... لك طلعوا عليهن بالجيش بالعتاد الكامل .. بالدبابات والرشاشات ... والنتيجة خبر عابر على فرانس 24 ...
ماكان ألنا غير الدعاء ... ماكان بإيدنا غير نحط حالنا بغرفة مانسمع فيها الأصوات .. مانسمع اللي عم يقول "ياااااااااااا أهل النخوة" ...
أول ماطلع الضو ... صار صوت القواص متقطع .. بس لحظة لحظة .. صوت الضرب كتير قريب صار وعم يقرب أكتر وأكتر .. وفي صوات سيارات ...
شوي شوي وبحذر بقرب على الشباك اللي ... بتفرج .. شافني لك اي شافني وصوب الرشاش باتجاهي .. بنزل راسي بلحظة .. وبتشهد
بس شو شفت ؟؟!!باص أبيض و 3 سيارت بيك اب عبيانين شبيحة والكل يأأما حامل رشاشات ياأما بواريد وعم يرشو بالهوا او على الشبابيك لما يشوفوا حدا .. مدرعة واقف عليها شبيح مع رشاش من نوع أكبر .. وكم وشبيح عم يمشوا قدامن ليفتحولن الطريق ... ومعن يمكن 2 أو 3 من الجيش ... كانو عم يطلقوا النار على جميع المفارق ومين ماشافوا عم يمشي وحتى ولو قطة ...
بعد مااستوعبت اللي شفته بلحظة ..فورا بحاول نزل الأباجور شوي شوي
وبنتقل ع شباك تاني ... صارو أقرب .. وتفرقوا على كل المفارق ... مجند بيرجع بيشوفني : "فوت لجوا والله .. فوت لجوا وسكر الشباك ولا" وبيضرب على الحيط بجنب الشباك ..
وانا طبعا بكون نزلت تحت الشباك ... وعم احكي مع حالي :" شو أعمل ؟؟!! صور رح اقدر صور ؟؟ لازم صور من شان كل العالم تشوف هالحكي .." لأنو على فكرة كان يمكن لسه مافي ولا فيديو نازل بيثبت وجود الجيش والشبيحة ...
المهم بحاول جيب الموبايل لصور ولسه مابلحق اتفرج من الشباك .. بلاقي المجند لسه واقف وبيجرع بيضرب ناحية الشباك .. أنا هون قلت لحالي "بلاها أحسن .. هاد شكلو عم يراقب وشك .. البناية كلها بشكل عام والبيت فيه نسوان وولاد وهدول مابيخافوا الله بلا مايعملولن شي"
وبقرر بعد وانسى الموضوع وارجع على الغرفة الجوانية ... وهيك للساعة 8 .. بسمع صوات ناس وسيارت .. بطل من الشباك بلاقي انو في ناس برا .. اللي عم يشتري خبز واللي عم يقضي غرض ... بس بشكل كتير كتير خفيف وبتلاحظ انو كل الموجودين هنن من النساء او الرجال الكبار بالعمر .. بس يعني فينا نقول صار في حركة واختفت المظاهر المسلحة ..
الساعة 12 بقرر روح ع الساعة وشوف شو صاير وشو الوضع ....
بطلع من البيت بالسيارة ... ومن عند الساعة القديمة اللي في جنبها فرع شرطة .. بلاقي جموع الشبيحة والأمن محاوطين المركز وكلو عم يتزور ... وسيارت أمن وباصات بيضا عبيانة شبيحة ... ومدرعات ..
بقرب أكتر ع ساحة الساعة .. بتلاحظ بالأرض الوسخ والورق والتياب بس كمان بتلاحظ انو راشين مي وشاطفين الشارع لحتى يخفوا آثار الدم ..
بوصل عالساعة وبلاقي رافعة عم ترجع تحط الصورة اللي كانو الشباب نزلوها الليلة الماضية على مبنى الهاتف .. وفي جرافات واقفين وعدد كبير كتير من الشبيحة .. وعمال تنظيفات اللي عم يرشوا مي على الأرض واللي عم يشيل الحجار المكسرة والزجاج .. الساعة مكسورة والعمود تبعها عم يدهنوا بالأسود .. كل البنايات اللي حول الساعة وخاصة بناية بنك عودة مكسر الزجاج تبعها تماما وحتى طوابق مرتفعة منيح ...
صرت أتخيل كيف كان منظرن مبارح ... وشو معقول صار فين وهنن تحت هالضرب الرهيب اللي صار .. وقلبي عم يحترق ..
الشارع كله فيه يمكن كم سيارة وكم زلمة وكلن عم ياكلو زور وماحدا مسترجي يوقف لحظة ..
بلقي أخر نظرة ع الساحة وع الشوراع اللي حواليها .. وبودعها .... بيتملكني أحساس رهيب .. هالمكان هاد محل ماعم امشي كم شهيد اتصاوب وانشحط وشقاه من دمه؟؟؟
كم واحد هلئ معتقل وعم يتعزب بأشنع أنواع العزاب كم جريح عم يتصفى او مو لقيان مين يسعفوا ..
أرواح هالناس كلها عم تعبي المكان زعم تعطيه رهبة ...
ياريتني كنت معكن ... ياريت كنت من الشهداء مو أحسن من هالشعور بالذنب والشعور بالعار ..
بودع حمص ... وبطلع ... حمص كلها محاوطة بالجيش بالعتاد الكامل .. محاوطة بالدبابات .. كان لسه هالمنظر غير مألوف أبداً ..
بتوجه نحو الشام ... ياترى شو رح يصير اليوم بالشام ؟؟!! حدا أصلا دريان باللي صار ؟؟!!
يوم لن أنساه مهما حييت ... والذي لن أنساه أني خذلتهم عندما نادوا أين النخوة ..
الله يرحمكن ياأطهر شهداء ... ويجعلكم في عليين يارب ...

--------------------

منقول عن مغسل ومشحم حمص الدولي للدبابات

الخميس، ١٩ نيسان ٢٠١٢

اعـتـصـام الـحـريـة فـي حـمـص الـعـديـة

بقلم الإبداع الحرّ : إيمان محمد ..

مجزرة السّاعة ..

يحتفي النّاس بأيّام متنوعة أو أعياد مختلفة ، ويحتفي أهل حمص بتاريخ المجازر ، لأنهم يوقنون أنّها كانت يوم ميلاد ونصر ، ليس للشهداء الذين ارتقوا فحسب ، بل لكلّ شخص عاصرها بروحه وبقلبه ..
سأسردُ ذكريات من يوم اعتصام الساعة 18 - 4 - 2011 ، كما رواها لي ثائرٌ حمصيّ .. كما عايشها .. كما عاشت داخله .. كما كانت جزءاً لا يتجزأ من الثورة ، ومنّا نحنُ أيضاً ..
***
باب السّباع ، حيّ الأبطال المتربع في حمص القديمة ، حيّ انتفض سباعه في وجه النّظام فأرّقوه وأرهقوه وسطروا أروع بطولاتهم فيه ..
الحيّ ثائرٌ عن بكرة أبيه ، والنّظام جنونيٌّ كالعادة ، لا يعرف إلا الوحشيّة والعنف ، والنّتيجة معروفة ، شهداء وجرحى واعتقالات ..
شبابُ حمص في حالة غليان ، والذهاب إلى الجامعة جمرٌ حارق في كلّ خطوة ، فهم الشباب المعنى وأقسموا ألا تكون خطواتهم إلا في خدمة الثورة ..
نقاشٌ هامسٌ يعلو أحياناً ، غضبٌ خانق ، دموعٌ حبست طويلاً في المحاجر ، هناك تشييع للشّهداء من جامع المريجة الشّهير في الحيّ العريق " باب السباع " ، التواجد الأمني كثيف ، إطلاق النار أول الاحتمالات ، لا يوجد مزيد من الخيارات ، القرار موحّد ، سنذهب للتّشييع أيا كانت النتائج ، هكذا قرروا .. وهكذا كان ..
الأحد 17 نيسان 2011 :
تجمع الشباب في الكلّيّة .. كانت شبه خاوية بسبب تأزم الأوضاع في حمص عموماً ، تحركوا إلى الخالدية ، ومن ثم إلى جورة الشّياح ، تناولوا إفطارهم على عجل ، وتوجهوا إلى جامع المريجة سريعاً ..
فوجئوا بخلو الجامع من الناس ، تحروا عن الأمر فأخبروهم أن التشييع انتقل إلى الجامع الكبير ، سيارة الأجرة أقلتهم إلى منطقة السوق ، انضموا إلى الأحرار هناك ، وفوجئوا بالتجمع الكبير للناس ، وتوافدهم الذي كان يزداد دقيقة تلو الأخرى ، ليملأ المسجد والشوارع الجانبية كلها ..
الجميع حضر من حمص ومن ريفها .. الرستن وتلبيسة .. الأخوّة تحدثت ، واتحدت القلوب من أجل حرّية يرضاها الله .. ابتدأت من مساجده ، وتعود إليها مع كلّ قطرة دم لشهيد ..
صلوا الظهر جماعة وأحضروا الشّهداء إلى المسجد ، وضعوهم جنباً إلى جنب ، رفقاء الدرب في الدنيا ، وإخوة إلى الجنة ..
تناوب مشايخ حمص ومنهم الشيخ محمود الدالاتي والشيخ سهل جنيد والشيخ اسماعيل المجذوب والشيخ أنس سويد ، تناوبوا في إلقاء الكلمات وهم يذكرون أسماء الشهداء وسط تكبير الحشود .. كان عُرساً ثوريّاً بامتياز حضرته ملائكة السّماء وغشيته سكينة الرحمن ..
صلوا الجنازة ، وزلزلت الأرض تكبيرات لم تشهد لها حمص من قبل أي مثيل ..
كانت الأعداد تناهز المئة ألف حُرّ .. بين رجل وشاب وطفل .. اتحدوا في الهدف والغاية ، اتحدوا في عشق الشهادة ، وفي الغضب لثمانية من الشهداء قُتلوا دون وجه حق ..
مرّوا قُرب قيادة الشرطة ، وقد جعلها النظام مركزاً للأمن والشّبّيحة ، غزارة السيل البشري دفعت قوات الأمن للاختباء وتجنب المواجهة المباشرة ..
قال لهم الأحرار ستشيّع الشهداء ونتفرّغ لكم لاحقاً ..
باتجاه مقبرة الكتيب مرّوا بالحميدية ، الحيّ المسيحيّ بامتياز ، وكان المشهد رائعاً وحبّات الأرز تُلقى على رؤوس الأبطال ترافقها الزغاريد في وحدة صفّ وألفة بين الأديان عرفتها حمص منذ القدم ولم يعرفها النظام ..
وصلت الحشود إلى الكتيب ، وامتدت إلى قيادة الشرطة ، انتظروا دفن الشهداء في جو مشحون بالترقب والتوتر ، فغدر النظام معروف ، والجميع يتوقع منه هجمة شرسة ..
تم الدفن بسلام ، ولم يكن مخططاً للاعتصام ، حتى سمعت الحشود أبطال حمص يهتفون " عالساعة .. عالساعة .. "..
حاول المشايخ إثناء الشباب عن رغبتهم في الاعتصام تخوفاً عليهم من الأذى ، لكنهم رفضوا وأصرّوا على الذهاب ، فما كان من المشايخ إلا وأن رضخوا لمطالب الشباب ورافقوهم إلى هناك ..
سيلٌ بشري تجدد الآن بعد وداع الشهداء ، قافلة دُفنت لتستقر في أرض الخلود ، وقافلة عزمت أن تجعل لحياتها طعماً ومعنى ، فإما أن تكتب لها الشهادة أو تحقق النصر فتكون شاهدة عليه ..
ساحة الساعة خاوية على عروشها ، لا قوات أمن ، لا شرطة ، لا يوجد أيّ ملامح لوجود النظام وكلّ ما يتعلق به في المكان ..
كانت حمص هناك حاضرة بأهلها فقط لا غير ، حضر النشطاء والمثقفون والعلماء ، حضر الأحرار والحرائر من كلّ حيّ حمصي ، وتوافد أهل الريف إليهم تباعاً ، وابتدأت الهتافات تعلو ، وطعم الحرية يحلو في قلب كلّ حُرّ ، وتنادى الشباب فيما بينهم .. " اعتصام .. اعتصام .. حتى يسقط النظام .. " ..
كان الأمل يرسم بريشته أجمل اللوحات ، الاعتصام فكرة أشبه بالخيال ، لكنها في تلك الساحة بدأت تتشكل وتتبلور لتغدو واقعاً ملموساً ، وبالفعل .. تمّ العمل على تنظيم الاعتصام أجمل ما يكون ..
سُدّت الشوارع الجانبية ، ووضعت الحواجز حول الساحة ، وتجند بعض الشباب لتفقّد هوية كلّ وافدٍ إليها للاحتياط من الناحية الأمنية ..
ازداد الناس توافداً ، الحرية كالمغناطيس يجذب الشعب الذي صمت طويلاً على الظلم والعدوان ، الفرصة الآن مُتاحة للتعبير عن الغضب ، للصراخ في وجه الظالم ، لإثبات هويّة غُيّبت طويلاً تحت قبضة أمنية مجرمة .. وبدأت الكلماتُ تلقى من منبر الساعة ، تارة عبر إحدى الحرائر ، أو عبر ناشط سياسي ، أو شيخ أو شاب متحمس ، سطر فيها أهل حمص أروع لوحات التآخي والتآزر والتراحم ، حتى ودعت الشمسُ حمص وآذنت للغروب ، وابتدأ التجهيز لصلاة مختلفة ، لصلاة تقام حقّ الإقامة ، وقرآن يُتلى عذباً فيها على الملأ كما لم يحدث من قبل قط ، بمفهوم حريّة تشكل على أحسن وجه وأروعه كما يُرضي الله سُبحانه ، لا كما يرضا الحاكم والجلاد ..
وابتدأ نصبُ الخيام للمبيت هناك ، وأسست خيمة كُتب عليها " خيمة الوحدة الوطنية " ، وأخر لعزاء الشهداء ، وتم تقسيم الأدوار بين الشباب ، منهم للحراسة ، أو للإشراف على الطعام ، أو لحراسة الحرائر ، أو للاهتمام باللافتات والأعلام والزينات ، كان عُرساً حقيقياً لم يجمع كل أطياف المجتمع الحمصي فحسب ، بل جمع أجمل ما في حمص وأهلها في ساحة !
صلّى الجميع صلاة العشاء ، ودعا الإمام دعاء هزّ أرجاءها ، وأمّن عليه الجميع بقلوب تحترق ، بعد التسليمتين ملأت التكبيرات أرجاء المكان ومن ثم كان الهتاف .. " الشعب يريد إسقاط النظام" .. هتفوا بها كالعطشى .. ونادوا بكل ما أوتوا من حب وغيرة على الوطن في أجواء حالمة ، جمعت سكينة العبودية لله ، وكرامة المؤمن ، وعزّة السوريّ وقوّة الحمصي .. ولما هدأت الأصوات قليلاً بدأ الجميع يتطوع لتقديم وجبات الطعام أو إحضار المياه أو الفاكهة والحلوى في عفوية وتسابق على الخير ، في لوحة أبرزت روعة أهل حمص ومعدنهم الحقيقي .. وبدأ بعدها التحضير للمبيت في الساحة ..
تم نصب المزيد من الخيام وإحضار الأغطية ، كان الجميع عازمين على البقاء مهما كلف الأمر ، تناول الشّاب الطعام مع رفاقه ، ثم تنحّى قليلاً إلى بيت صديقه ليتشاوروا في مسألة صمت النظام المُريب ، شعروا أن الأمر ليس عبثياً ، وبأنه يخطط في صمت للغدر ..
الشرطة كانت متواجدة فقط في نادي الضباط تراقب عن بعد وقد أطفأت كل الأنوار ، وتمركز غيرهم في قيادة الشرطة ، أيضاً المراقبة صامتة حذرة ، تواردت أنباء عن قدوم آصف شوكت أو وزير الداخلية الشعّار إلى حمص وتواجده في مبنى الحزب على طريق طرابلس في الإنشاءات ..
ركب الشباب السيارة وانطلقوا إلى مبنى الحزب المذكور لاستطلاع الوضع هناك ..
كانت الساعة العاشرة ليلاً ، وشاهدوا السيارات الفخمة القادمة من دمشق ، وتحركات غير طبيعية هناك ، وحراسة أمنية مشددة ، كان المشهد صعباً ودافعاً للتساؤل عن العمل !
الواقع أن بعض المشايخ طلبوا من الحرائر الرحيل لكنهن لم يصغين ، كما عاد عدد لابأس به إلى بيوتهم للرجوع في اليوم التالي ..
القرار .. لا يمكن ترك الاعتصام والتخلي عنه بكل سهولة ! لكن لابد من الاحتياط ، والتخطيط لإنشاء مشافي ميدانية هناك تحرزاً لأي خطر قد يحدث ، وتجهيز بعض البيوت لتكون ملاذاً في حالة الهروب ..
بدأ جمع المواد الطبية الإسعافية على وجه السرعة ، وتأهب الجميع لما سيحدث ، وعادوا للساحة ليروا أن العدد قد بات أقل ، وبدأت رائحة الإجرام تغدو نفّاذة أكثر ، والشعور باقتراب الخطر يزداد ..
انتشر الأمن و الشبيحة بكثافة حول منطقة الساعة ، ولم يجرؤوا على الاقتراب من المعتصمين ، كانت أعدادهم كبيرة جداً تفوق المتوقع ، وبدا أن هناك تحفّزاً وتأهباً للهجوم في أيّة لحظة ..
بعد محاولات ومحاورات للشيخ محمود الدالاتي مع الضباط هناك قرروا أن يُبقوا مسافة فاصلة بين المعتصمين خلف حواجزهم وبين شبيحة النظام .. وتمّ بالفعل تطبيق الاتفاق ، غير أن الشّرر كان ينبعث من نظراتهم ، وكان هناك تبادل إطلاق شتائم مرّ دون خسائر ..
عاد الشاب مع رفاقه إلى الساحة ، وعرفوا أن التهديدات من قِبل النظام تطوّرت حتى وصلت من ماهر الأسد مباشرة بفض الاعتصام وإلا فسيحدث شيء لا تُحمد عقباه ..
أوصل المشايخ الذين كانوا يتلقون الاتصالات من القصر الجمهوريّ وغيره الرسائل للمعتصمين عبر مكبرات الصوت ، وكان الشباب يردّون بقوّة بالتكبير وهتاف أصرّوا عليه .. " الشعب يريد إسقاط النظام" .. ولما رأوا الإصرار من الشباب وألا فائدة من فض الاعتصام أخبرهم أنه معهم ، أتوا معاً وسيرحلون معاً ..
طالبوا الحرائر بالرحيل خوفاً عليهن ، فوقفت إحداهن وقالت :
لقد بلغنا أن الفرقة الرابعة قادمة إلى حمص ، فمن كان منكم خائفاً فليعد إلى بيته ، لكننا سنبقى هنا فلسنا خائفات ..
وكأن الخوف قد ودّع المدينة إلى غير رجعة ، وكأن الرهبة من النظام باتت بلا معنى .. وكأنّ حلم النصر اقترب ، وبات كلّ واحد من الحاضرين يتمنى لو ضحّى بروحه في سبيل الله .. من أجل أن يرى وطنه عزيزاً حُراً كريماً ..
بعد زمن وطول أخذ وردّ ورجاء من الشباب غادرت نساء حمص وفتياتها مرغمات .. وغادر جمع لا بأس به من الناس الذين كان يقدّر عددهم عندما امتلأت بهم الساحة والشوارع الجانبية كلها بمئة ألف متظاهر ..
المشهد العام للساحة في تمام الواحدة فجراً ..
قلّت نسبياً الحشود التي كانت حاضرة من قبل ، وانشغل الحاضرون بالتجهيز للنوم أو تنظيف الساحة أو تناول الطعام أو النوم أو حتى الغناء .. فقرر الشاب ورفاقه العودة .. كانت أخوات الشاب وحدهن طيلة النهار لا يعرف عنهن شيئاً ، وكذلك كان أهل كل شاب ممن غادروا معه .. فرحلوا وفي داخلهم شعور التوجس من الكارثة القادمة .. غادروا الساحة تاركين من تبقى هناك من الشباب المعتصم وقدّر عددهم بخمسة آلاف شاب .. طريق العودة محفوفٌ بشعور الخيانة والغدر لمن تركوهم وحدهم هناك ، وكثير من تأنيب الضمير كونهم خذلوهم ولم يقفوا إلى جانبهم في تلك اللحظات ..
عند مغادرة حيّ الدبلان استوقفهم شاب شعروا وكأنه من حيّ بابا عمرو ، وطلب منهم برجاء ألا يغادروا الاعتصام .. عانقه أحد الشباب المغادرين ، وقال له " نحن سنغادر الآن لكننا سنعود إليكم ولن نترككم .."..
عاد الشاب إلى بيته في تمام الساعة الواحدة ليلاً واطمأن على أخواته وحدّثهم عن الاعتصام وأحداثه ، واتصل برفاقه في مشفى البر وأخبرهم عن هواجسه وأوصاهم أن يتصلوا به ليساعدهم في حالة حدوث أي مكروه ..
الثانية إلا عشرة دقائق بتاريخ الإثنين 18-4-2011 :
بدأ إطلاق النار يُسمع من كلّ مكان في حمص ، كان الرصاص في بابا عمرو والخالدية وفي باب السباع وباب الدريب ( في حمص القديمة كلها تقريباً ) وفي حي البياضة ودير بعلبة ، وبالتأكيد في ساحة الساعة !
صعد الشاب إلى سطح منزله ، ورأى القنابل تتساقط والرصاص يهطل كالمطر ، وبدأت أصوات التكبير تتعالى من كل مكان .. نزل سريعاً إلى المنزل ، بدأ بالاتصال وتفقد رفاقه ، الحيرة تنتاب الجميع عندما يفكرون في تقديم أي شيء ، حتى عندما فكر بالذهاب إلى مشفى البر قال له صديقه أن لا إمكانية من مغادرة البيت أصلاً بسبب كثافة الرصاص .. فلم يملك سوى الألم ولوم نفسه ورفاقه لأنهم تركوا المعتصمين وحدهم .. فكّر فيما لو كانوا بذات الكثافة والقوة والحضور هل كان النظام سيباغتهم ويغدر بهم بتلك الطريقة الدنيئة ؟؟ الأسف بعد حصول المأساة لا يجدي نفعاً ..
في المنطقة المحيطة بالساعة ..
فتح الأهالي الذين يسكنون هناك بيوتهم لإيواء الشباب المعتصمين ، أبرزوا أروع صور التكافل والتراحم والمحبة ، اعتبر كل واحد منهم أولئك الشباب أولاده ، فتحوا المتاجر المغلقة ليخفوا بها الجرحى تحسبا للمداهمات ، بدأت حمص تنزف وبغزارة ، وبدأ الجميع يحاول احتواء الجراح .. وازداد النظام وحشية وشراسة وعُنفاً ..
لم يملك الشاب حينها إلا البكاء وهو يشعر بالعجز عن تقديم أي شيء لمدينة بدأت تتلقى عقاب الطاغية لمطالبتها بحرّيّتها ..
استمر إطلاق الرصاص الكثيف جداً أكثر من ساعة ، استشهد كثير من الشباب عند الساعة ممن رابطوا هناك ، وآثروا ألا يغادروا المكان ، ممن ظنوا أنهم يتعاملون مع بشر مثلهم من لحم ودم ومشاعر ، ممن اعتقدوا أن شبيحة النظام قد تسمع الهتاف وتستوعب معناه ..
الوضع في الساحة غامض شديد الغموض ، الانتظار لليوم التالي قاتل .. سيارات الأهالي الذين فقدوا أبناءهم كانت تسير بسرعة جنونية لمن تلقى نبأ أليماً فما عاد يستطيع القيام بأية خطوة لإنقاذ ابن أو أخ أو صديق .. العائلات كلها كانت تترقب من بعيد ، تتوقع ابناً شهيداً أو جريحاً أو معتقلاً ..
مع طلوع الصباح تواردت الأنباء أن الدبابات وصلت إلى الساحة ، وأن الانتشار الأمني فظيع .. لم يستطع أي من الشباب تفقد المكان إلا عند العصر ، خرجوا معاً في سيارة واحدة وفوجئوا بوجود المدرعات في منطقة الساعة ، ووجدوا فوارغ الرصاص في الأرض ، وواجهات البنوك والمحلات التجارية والمكاتب ومطعم " بيتي " كلها محطمة تماماً .. وجدوا أيضاً الأرض مغسولة لإخفاء آثار الجريمة ، ولا تواجد لأهل حمص إلا بنسبة واحد بالمئة عن المعتاد ..
بعد أيام شاهد صديقه الذي صمد يومها إلى آخر لحظة ، وأخبره أن الشبيحة أطلقوا عليهم الرصاص الحيّ بكثافة ، فتفرقوا في كل اتجاه وهم يكبّرون ، ويهتفون بإسقاط النظام ، والرصاص يتعقبهم في الشوارع الرئيسية والجانبية ، كان إطلاق الرصاص بداية في الهواء ، ثم أصبح على ارتفاع منخفض ، الرصاص تطاير فوق الرؤوس وهطل من كل اتجاه .. قال له أن كثيراً جداً من الشباب قد استشهدوا يومها ..
أخبره بأنه قد ركض حتى خرج من الدبلان إلى الغوطة إلى القرابيص إلى الخالدية ، وهناك وصل إلى بيته بعد ساعتين من الركض وقد توقع أن تصل إليه أية رصاصة فتقتله ..
في الخالدية وجد أهله وأهالي الحي يفتشون عنه وحالة من التوتر والقلق سائدة ..
لما قابلته أمه عانقته وقالت له برعب " لقد اعتقدت أنك قد استشهدت .."
نزعت عنه كنزته وأحرقتها لئلا يستدل النظام عليه من كنزته ، وكان وصوله لبيته كالمعجزة .
صديق آخر خرج من الدبلان إلى الغوطة فالقرابيص واختبأ في بساتين الغوطة قرب شارع نزار قباني ، حتى طلع الصباح واستطاع العودة إلى بيته ..
أخبره ثالث أن الشبيحة حين قدموا كان هدفهم الأول اعتقال المشايخ دون قتلهم حتى لا يثيروا غضب الشعب ..
أحد من أصيب بطلق ناري من الشباب الذين تواجدوا هناك لم يحرك ساكناً حتى يعتقدوا أنه قتيل ، وحكى لرفاقد أنه شاهد كل شيء بعينه .. شاهدهم يحملون الجثث عند مدخل الدبلان قرب حلويات الرينبو واليافي ، وأحضروا شاحنات القمامة ووضعوهم فيها وكان هو ضمن من حملوهم وألقوهم مع الجثث في السيارة ، وهو الوحيد الذي بقي على قيد الحياة ليروي المأساة .. أخذت بعض الجثث للمشفى العسكري ، وأخرى للمشفى الوطني ، وأخذت جثث ودفنت في مقبرة جماعية في قرية مجاورة لحمص ، لم يكتشفها الأهالي حتى فاحت رائحة تفسخ الجثث وانكشف جزء من جرائم النظام الذي أتى سريعاً وانتشلهم ليدفنهم في مكان مجهول ..
كان الشاب في المشفى العسكريّ مع بقية الجثث .. اكتشف أحد الطيبين كونه على قيد الحياة فقام بمعالجته ، اعتُقل بعدها وخرج ليروي المأساة .. قال أن عدد الجثث التي كانت معه تزيد عن مئتي جثّة وهو إلى الآن لا يدري كيف ولماذا ولأي سبب أبقوه على قيد الحياة ، لكنها إرادة الله فوق إرادة كل البشر ..
سألتُ كثيراً جداً وتحريت عن عدد دقيق لشهداء المجزرة فأكدت الأغلبية أنهم بالعشرات ، فيما قال غيرهم أن العدد أقل من ذلك معتمدين على كونهم لم يشاهدوا بأعينهم تلك الجثث كونهم أسرعوا بالهرب من طلقات الرصاص الغادر ..
الحقيقة مغيّبة لكن أعداد من فُقدوا كثيرة !
الفرقة الرابعة احتفلت على أنقاض الاعتصام ، ورقص الشّبيحة وهتفوا لإلههم بشار .. دنسوا الساحة بأقدامهم ، كما دنسوا الساعة بكتابة شعارات العبيد .. صوّر منهم الساحة ليتفاخر ببطولته أمام أطفاله ، ولا أدري كيف لأطفاله أن يتقبلوا والداً مجرماً وأبوة كاذبة لا تعرف الرحمة ..
كان الاحتفال حتى الفجر بإطلاق الرصاص ، اعتقدوا أنهم أرغموا حمص على الاستسلام ، وبأنهم أخمدوا فيها مشروع الثورة ، وبأنها لن تنتفض أبداً بعد ذلك ..
لفّ الغموض الحدث ، وذاعت شائعات شتى حول ما وقع عند الساعة ، رافقه جوّ غائمٌ من الحزن والكآبة على حمص وأهلها ، فأعلنوا الحداد وأغلقوا الأسواق والمتاجر وامتد الحداد لأسبوع تقريباً ، الحداد الظاهريّ الذي تشكّل غضباً في نفس كل حمصيّ ، ذلك الغضب الذي أشعلها مجدداً وجعلها تواصل لتقتص من الجاني ، لترهق النظام ، لتُبكي الشّبيحة ، لتكون عاصمة الثورة بامتياز ..
في الليلة التالية :
مرّ الشباب بشوارع حمص ليغصّوا بأجواء من الألم والكآبة ، وهم يشاهدون الأهالي يفتشون عن أولادهم ولا يعرفون عنهم أي شيء، وهناك من عرف واحتسب ابنه شهيداً ، وهناك من لم يجرؤ على السؤال عن ابنه خوفاً من الاعتقال .. وإلى الآن بقي مصير عدد كبير من الشباب مجهولاً ..
إلى هذه اللحظة وبعد مرور عام على الاعتصام .. ساحة الحرّيّة منطقة محظورة في حمص ، منطقة مطوّقة بشبيحة النظام ، منطقة رُعب لهم ومحل تخوّف دائم من هجوم شباب الحرّيّة في أية لحظة لتحريرها ..
ومنذ تلك اللحظة والساعة من رموز الحرية في سورية ، لأنها توصل للثوار وجه النصر القادم .. لأنها تُريهم صورة مصغّرة عن الجنّة التي يسعون لأجلها .. وقد أيقنوا جميعاً أنها تستحق !
كان يوماً من أيام النّصر والعزّة في حمص رُغم الألم والمأساة .. يُقسم كلّ حمصي حُر ويعاهد الله تعالى على أن يعيده ، ليس في الساحة ولا في حمص فحسب بل في سوريّة كلها ..
مما أجمع عليه كل من حضر الصلاة في يوم الاعتصام ..
" شعرتُ بخشوع لم أشعر بمثله قط حتى عندما زُرت مكة والمدينة !! "
هو ذاته شعور المؤمن المخلص لربّه حين يقف موقف حقّ يُرضي الله ورسوله ..
وهو الشعور الذي يتجدد باستمرار مع كلّ هجمة تنالها حمص ، ويتصدى لها شعبها الأبيّ بإيمان يتجدد ، وقلوب باتت تعرف تماماً أين الهدف ..
تمّت ..
هذه بعض المقاطع التي تم تصويرها في تاريخ ذلك اليوم :
لحظات قبل الإعتصام عند تشييع الأحرار الأبطال من الجامع الكبير :
http://www.youtube.com/watch?v=5I7oQqs_9yU
http://www.youtube.com/watch?v=B3y55V_qePY
http://www.youtube.com/watch?v=AeiWGSnOU1o&feature=related
http://www.youtube.com/watch?v=hHrO5N0tUjw&feature=relmfu
http://www.youtube.com/watch?v=m1Tb8o4nJSo&feature=relmfu
http://www.youtube.com/watch?v=AeiWGSnOU1o&feature=relmfu
http://www.youtube.com/watch?v=MUm-YGuxD58&feature=related
http://www.youtube.com/watch?v=2qUCeZm1SmA&feature=related
http://www.youtube.com/watch?v=_RB_8IqImjM&feature=share
لحظات رائعة من الإعتصام :
http://www.youtube.com/watch?v=x5Sm_vVxu0A
http://www.youtube.com/watch?v=2dcLhSkKp2Q
http://www.youtube.com/watch?v=7WscXtb9nXQ
http://www.youtube.com/watch?v=6IWldCoySg4
http://www.youtube.com/watch?v=ii8PS0uKH9o
http://www.youtube.com/watch?v=Cl1xOKA1O4s
http://www.youtube.com/watch?v=-Ge82ygcaLs
http://www.youtube.com/watch?v=UUxp5V5yFOk
http://www.youtube.com/watch?v=pnnc-Noz_6E
http://www.youtube.com/watch?v=CG77Kxzribc
http://www.youtube.com/watch?v=dNhmwDK12tY
http://www.youtube.com/watch?v=67TsOkgEFlY
http://www.youtube.com/watch?v=UCBvIaAeHrk
http://www.youtube.com/watch?v=4c6cuMUipSU
http://www.youtube.com/watch?v=Fak_INt0Ffc
http://www.youtube.com/watch?v=jGfhXRtzRto
http://www.youtube.com/watch?v=Y4MASHMma3g
http://www.youtube.com/watch?v=d4gH7EkEcvs
http://www.youtube.com/watch?v=y0D1oPmo4-o&feature=related
http://www.youtube.com/watch?v=Um7RDUT-QAc&feature=related
http://www.youtube.com/watch?v=jijDymoXZso&feature=related
http://www.youtube.com/watch?v=B3y55V_qePY
http://www.youtube.com/watch?v=beWTbU5t3Og&feature=related
http://www.youtube.com/watch?v=DXJ6-y96M3k&feature=related
http://www.youtube.com/watch?v=Znlcy3Cg-Co&feature=related
لحظات عند اقتحام النظام المجرم للإعتصام :
http://www.youtube.com/watch?v=n_5tqRnjuFs
http://www.youtube.com/watch?v=C6ORLf6XHwo
http://www.youtube.com/watch?v=OP6B0ck8gEg
http://www.youtube.com/watch?v=Z7Rws6GDyYo&feature=related
http://www.youtube.com/watch?v=C6ORLf6XHwo&feature=related